Columbus

Columbus

أخذت الكثير من الوقت لأتذكر كيف وصل هذا الفيلم الأمريكي المستقل إلى قائمتي، من أين سمعت به؟ من أخبرني بمشاهدته؟ لأنني لا أتذكر اهتمامي الشديد بالهندسة المعمارية، ولا أتذكر إهتمامي بمشاهدته أيضاً، لكن الأمر حصل هكذا فحسب.
بين ‘ثنايا’ كل تلك المباني الجميلة، وكل ذلك الحديث عن تاريخها وتفاصيل بنائِها، هناك قصة، لكن وبعكس ما قد يبدو عليه الأمر، فهي ليست… جانبية إن صح التعبير. ‘جين’ رجلٌ ولد في كوريا، يعود لكولومبيا، إنديانا بعد مرض والده، بروفيسور الهندسة المعمارية المشهور، ولأن علاقته ليست قويةً بوالده، فحضوره وبقاءه في المدينة أمرٌ مزعجٌ له. على الجانب الآخر هناك ‘كايسي’، الفتاة المهووسة بالهندسة المعمارية، والتي تخرجت من الثانوية لكن لم تلتحق بالجامعة بعد بسبب والدتها المدمنة السابقة للميث (نوعٌ من أنواع المخدرات) فيحصل أن تتقاطع سبل الإثنين.
“Meth is really big here, Meth and Modernism” – كايسي
هناك عدة أشياءٍ يجب أن تعرفوها عن كولومبيا، المدينة الصغيرة في ولاية إنديانا، مثل أنها معروفة بكونها موقعاً مذهلاً للفن المعماري الحديث، المميز، والفن “العام”، فهناك العديد من المهندسين المعماريين المعروفين الذين تركوا بصمتهم في المباني الجميلة جداً لهذه المدينة. أما الشيء الآخر هنا هو أنها معروفةٌ أيضاً بأنها إحدى أكثر المدن التي يتواجد فيها الميث، والمدمنون عليه، والمصدرون له، يا له من خليطٍ عجيب.
تبدو قصة الفيلم بسيطة، وربما تظنون أنها ستكون متوقعة، لكنها ليست كذلك. هناك شيءٌ جذابٌ جداً بشأن الفيلم، فهو يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يصبح أكثر عمقاً في كل مرة تتحدث فيها ‘كايسي’ مع ‘جين’. ‘جين’ بالمناسبة لا يهتم أبداً بالفنون المعمارية، بل على العكس تماماً، فهو يكرهها ولا يفهم الإهتمام الشديد بها، لذا وعند حديثه مع ‘كايسي’ لا تثير التفاصيل التقنية أو التاريخية إهتمامه بقدر ما تشده مشاعر ‘كايسي’ التي يستمر بمحاولة جعلها تتحدث عن أمورٍ أعمق من المباني مثل مشاعرها وقصتها.
علاقة ‘جين’ بـ’كايسي’ مثيرةٌ للإهتمام، رغم فرق العمر بينمها إلا أن نقاشاتهما ممتعة، ومجردة، وقد تكون هي الهدف من هذا الفيلم بأكمله، مجرد لوحةٍ كبيرةٍ جميلة لشخصين يتحدثان حول أشياءٍ تثير إهتمامهما ليهربان من الأشياء التي تضايق حياتهما.
“Do you like this building intellectually, because of all the facts?” – جين
“No, it moves me.” – كايسي
يخلط هذا الفيلم بإخراجه اللطيف بين حب المخرج لهذه المدينة (ليس المدينة تحديداً بقدر ما هو حبٌ لفنها المعماري) مع التصوير الجميل جداً، فهناك لحظاتٌ تظنون فيها أن مشهداً ما يبدو خالياً، قدد يكون هذا عيباً في النص، أو الأداء، لكن التصوير يعوض عن هذا بطريقة جميلة، فالمساحات الخضراء أو المليئة بالمباني الجميلة تكفي لتملئ عينيكم بالمشهد، فالبنك الزجاجي، المستشفى الجميلة، النهر، وحتى المكتبة وسقفها الذان تتردد المشاهد عليهما يثيران الإهتمام، وأكثر شيءٍ ظننت أنه لطيف بشأن هذا الفيلم هو أنه أول فيلمٍ للمخرج ‘كوغونادا’، عملٌ رقيق، بسيط وعميق.
هذا الفيلم غريب، فهو.. فارغٌ تقريباً من المحتوى، قصته خالية من الأحداث الدرامية الكبيرة، وكل شيء فيه بسيط لكن جميل، وربما لأن القصة بهذه البساطة، مثل يومٍ بلا أحداثٍ كبيرة في هذه الحياة، فإنه جعلني أتأثر به، هناك شيء جعلني أستمر بالتفكير به لعدة أيام، إنه.. مثل أغنية Gondry لـ Hyukoh.. بسيطة، سريعة، خالية من التغييرات الكبيرة، وتعيد نفس لجملة مراراً، لكنها جميلة، وممتعة، مثل زيارةٍ لمعرض صورٍ أو رسومٍ معاصر.