Burning

Burning

الفيلم الذي سبب ضجةً كبيرة العام الماضي وتنافس لنيل السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي.
تتحدث القصة عن جونغسو، الشاب الذي تخرج من تخصص الكتابة الأدبي (كتابة الروايات) ويحلم بأن يكون كاتباً، لكنه يعمل في عدة أعمالٍ بدوامٍ جزئي ليؤمن لقمة عيشه في المدينة، والذي يقابل صدفةً هايمي التي كانت جارته وصديقة طفولته في القرية التي كانا يسكنان بها، ثم تخبره أنها ستسافر لأفريقيا وتطلب منه الإعتناء بقطها ريثما تعود، وعندما تعود، تعرفهُ على بين، الشاب الغني الغامض، الذي قابلته خلال الرحلة، والذي يكشف هوايته الغريبة لجونغسو.
لم أشعر بالإرتياح طوال مشاهدتي لهذا الفيلم لعدة أسباب. أولها القصة التي أستمريت بإنتظار حدوث شيءٍ مروع فيها، وهذا لأنني أعرف أسلوب قصص هاروكي موراكامي، وثانيها هو جو الفيلم العام، الألوان، والموسيقى التي جعلتني أشعر بعدم الإرتياح، التوتر، والخوف، وأخيراً يو آه إن الذي… لا أحبه، لا أحبه أبداً. وليس بسبب تمثيله، فأدائاته دائماً ممتازة، لكنني، ولسببٍ نفسي مجهول، لا أحبه، ولا أرتاح عند مشاهدة أعماله، البلادة (من صفة بليد؟) التي يعبر عنها مخيفة، و… كريهه، وليس في هذا الفلم فحسب، فقد كان يجب أن يظهر هذا بهذا الشكل ويوحي بهذه المشاعر في هذا الفيلم، لكن بشكلٍ عام، أنا لا أحبه ولست اسفة على ذلك، لكن عدم حبي له لا يعني أنتقادي لأداءه، فقد قدم أداءً ممتازاً هنا كما هي عادته، أنا فقط… لم أرتح لرؤيته، خاصة في دور بطولة لفيلمٍ طويل.
لا أعلم كيف أصف هذا الفيلم، فهو ليس من النوع المليءٌ بالتشويق، وإنما ربما الغرابة، لكنه لا يترك الذاكرة. كل من فيه جائعٌ لشيء، ولكل منهم رغبةٌ عميقةٌ بشيءٍ مختلف، علاقة الشخصيات الثلاثة ببعضها أيضاً معقد، وهناك طبقاتٌ عديدة لكل شخصية، فهم يستمون بعدم الثقة ببعضهم، لكنهم دائماً يظهرون في وجوه بعض، تملئهم رغبةٌ ببعضهم، بالإستقرار وربما التيه، وبالحاجة، لكنهم جميعاً جائعون، والجوع عاملٌ كبيرٌ في هذا الفيلم، الجوع لكل ما سبق ذكره، فمن أداء هايمي لرقصة “الجوع الكبير” التي تعلمتها من أفريقيا، إلى حوارها الطويل عن الجوع والروح والرغبات. رأى الكثيرون أن هذا الفيلم يتحدث عن الذكورية السامة، خاصة أنه يصور في مجتمعٍ شرقي، لكن لم يكن هذا ما لفت إنتباهي فيه بقدر المواضيع الأخرى.
كل الشخصيات في هذا الفيلم غريبة، وأجد صعوبةً بتحديد أغربها (هل هي هايمي؟ إنها غريبة لدرجة أنك قد تظن أنها معتوهة، وسأعود إليها) لكن بين… هو وهوايته الغريبة كانا أكثر ما جعلني أتسائل حوله خلال مشاهدتي للفيلم. حفلاته المتكررة، مستواه المعيشي، غرابة أفكاره، القطة، وأخيراً قراراته وكلماته وابتسامته المثيرة للأعصاب، إنه شخصيةٌ تبني جميع الشكوك حولها ولا يمانع ذلك، بل يساعد بتكوينه، إنه… مستفزٌ و…شرير(؟)، إنه يبدو كالأشرار المختلين عقلياً، أو إجتماعياً، لكنه غريبٌ جداً (أداءهُ يا جماعة… رائعٌ بشكل مخيف).
هايمي، كبيرة المعتوهين الغرباء ومحور الفيلم حصلت مني على هذا اللقب لسببٍ وجيهٍ جداً، هايمي انتقلت لسيؤول لتعيش حياةً مختلفة، تدرس الفن/ التمثيل الإيمائي والذي، حسب كلماتها، يعتمد على تخيل شيءٍ وتصديق جوده، ما يظهر لاحقاً في حياتها مبيناً أنها تعيش في عالمٍ كاملٍ من الخيال الذي صدقت وآمنت به، وخلقت لنفسها أحداثاً وذكرياتٍ لم تحدث في الواقع، ورغم هذا كله، إلا أن جونغسو يفتن بشخصيتها وشغفها الغريبين، يقبل ما تطلبه، يستمع إليها ويستمتع بأدائاتها المختلفة، والتي يراها الأخرون غريبةً ومملة، لكن في حياته المتقلبة والفارغة والمليئة بقدرٍ كافٍ من الفوضى والعلاقات غير المستقرة، تمثل هايمي وغرابتها لوحةً مثيرةً لإهتمامه.
كان هناك الكثير من الأشخاص الذين ظنوا أن هذا الفيلم كان أحق بجائزة السعفة الذهبية في مهرجان كان بدلآً عن فيلم Shoplifters الياباني (أيجب أن أكتب مراجعةً عنه؟ تجنبت ذلك، لأنه… قاسي جداً)، لكنني، كشخصٍ شاهد كلا الفيلمين، لا أتفق أبداً، وأظنني سعيدةٌ بفوز Shoplifters. وجدت هذا الفيلم مثيرٌ للإهتمام، إنه طويل (ساعتين ونصف؟) وبطيء، ومملٌ بطبيعة الحال، لكنه، وكدراما نفسية، كان مثيراً للإهتمام، ذو موسيقى وتصويرٍ وأداءٍ أكثر من رائعين. لسببٍ ما، أظنه كان سيكون أكثر موائمةً إن كان عملاً يابانياً لسببٍ لا يتعلق بجنسية هاروكي موراكامي (كاتب القصة التي اقتبس الفيلم عنها) بل بطبيعة الأفلام اليابانية الدرامية النفسية… لا أعلم إن كان يستحق أن أقترحه لكم لتشاهدوه، لكن إن كنتم لا تمانعون الأفلام الطويلة البطيئة الخالية تقريباً من الأحداث الكبيرة، فهذا خيارٌ مناسب.