mother!

mother!

أولًا احب ان اذكر انني كنت تائه تقريبًا في بداية الفيلم محاولًا فهم مغزى الكاتب والمخرج (ارنوفسكي) ولكن في النصف الثاني تحديدًا عندما شاهدت مشهد لأشخاص يقومون بشعائر دينية اتضحت لي الصورة التي كانت تتطرق لأمور دينية ودنيوية اراد المخرج ايصالها بطريقة سيريالية وفلسفية لأبعد درجة حيث يسرد بداية الكون ثم الحياة فالخلق ومايتبعه من دمار وتخريب وجرائم وحروب من صنع البشر فأختار اسم (الام) كعنوان للعمل ليحاكي فكرته عن طريق (الطبيعة الأم)ـ
للتنويه : الكاتب تطرق للدين في هذا العمل (بطريقة نرفضها) جملة وتفصيلا ولكني احببت ان اوضح فكرته لبعض المهتمين فقط لذلك قبل ان اخوض في التفاصيل سأحدد الشخصيات وعلى ماذا ترمز من وجهة نظر المخرج
لنفترض ان :
-المنزل هو (كوكب الأرض)
-الزوجة (جينيفر لورانس) هي (الطبيعة الام)
-الزوج (خافيير براديم) الخالق
-الزائر (ايد هريس) ابونا آدم
-زوجة الزائر (ميشيل فايفر) امنا حواء
-الأبناء قابيل (القاتل) وهابيل (المقتول)
بعد هذه النقاط قد تتضح فكرة العمل لمن شاهد الفيلم ولكن يتبقى رموز شاهدناها في الفيلم لانعلم الى ماذا ترمز لذلك في هذه المراجعة سأوضح هذه الالغاز ومعانيها من وجهة نظري
في بداية الفيلم يأتي مشهد للمنزل التي دارت به جميع الأحداث وهو مُدمر كليًا وكأننا ننظر للكون قبل ان يوجد به كوكب الأرض ثم يتلوها مشهد (للزوج) وهو يضع حجر يُعبر عن قلب الطبيعة الأم ، بعدها يترمم المنزل المحترق وتعود اركانه ; وكأن الارض تبسط للبشر وتسكنها الحياة من جديد فالبتالي يتبين ان المنزل يرمز للكرة الارضية بعد ان خلقها (الزوج) ووضع بها قلب الطبيعة الأم النابض بالحياة حيث سنشاهدها وهي تحاول تهيئة هذا المسكن ليصبح قابل للحياة 
بعد ذلك يأتي مشهد عندما تصحو (الزوجة) من نومها وعلى محياها الدهشة والاستغراب ذاهبة للبحث عن زوجها فتفتح باب المنزل لتنظر للطبيعة الخلابة في لحظة دهشة وسرور وهنا كأنها نظرت للجنة التي تقبع خارج الارض لكنها لاتستطيع الخروج ابدًا لأن من واجبها الحفاظ على هذا المنزل = (الكوكب) حيث لاحياة على كوكب آخر
(ثم اتى مشهد الذبابة وهي تحاول الخروج من نافذة المنزل حتى اختنقت فماتت) فهذا يدعم التفسير السابق ، حيث ستبقى في الارض حتى تنتهي ، ثم بعد ذلك يتبين ان (الزوج) كاتب وشاعر له شأن كبير (خلق الكون ثم الطبيعة الام ثم آدم فحواء) لكنه يبحث عن إلهام جديد ليبدأ في مشروع آخر (كُتب مُقدسة) لكن دون جدوى وبعد ذلك يطرق الباب (الزائر) الغريب حيث يرحب به (الزوج) بكل حب وموده ويدعوه للدخول للمنزل ! وسط نظرة استنكار واستغراب من (الام) ! كيف ولماذا تسمح لهذا الغريب ان يسكن هذه الارض التي لازلت ازينها باذلة كل جهدي رغم الألم الذي امر فيه ولكن الزوج يتجاهل تمامًا ويدعو الضيف للنوم داخل (المنزل) كذلك ! 
بعد ذلك سيأتي المشهد الذي يوضح فيه المخرج ان (الزائر) هو (آدم) فبعد ان كان يعاني من كحة شديدة دخل (الزوج) معه الى الحمام فأسرعت (الزوجة) لتفتح الباب ‏فتلاحظ وجود جرح كبير في جنبه الايمن ، مكان اضلاعه ، حيث غطاها (الزوج) مباشرة بيده وكأنه يُساعد على إلتئامه .. ذلك المكان الذي خُلقت منه (حواء) من ضلع (ادم) حيث في اليوم التالي حضرت (زوجة الزائر) للمنزل وسط تسائل من (الأم) بأن هذا الزائر لم يذكر انه متزوج ابدًا ! ولكن (الزوج) يستمر بالتجاهل ويرحب بهم بكل حب وود ، بعد ذلك تظهر (زوجة الزائر) بشخصية قوية وبدأت حوارها القوي الذي تبين انه أثّر على (الزوجة) لاحقًا ، وكانت تشير لها بلبس الملابس الفاتنة وكأنها تغسل رأسها بالفتن لكن الزوجة ذهبت واخرجت نفس الملابس لترميهم بعيدًا
وهنا نقترب من تصوير المخرج (للخطيئة) التي ارتكبها ابونا آدم وحواء وهي اكل التفاحة بعد ان حذرهم من عدم فعل ذلك حيث في الفيلم حاولت (الزوجة) تحذيرهم من دخول غرفة الزوج (وهي بمثابة الجنة) لوجود (الحجر) الثمين لكنهم تجاهلوا ذلك وادى هذا الى انكسار (الحجر) وهنا وقعت (الخطيئة ) فغضب (الزوج) غضب شديد
(وهنا يصور المخرج كيف قام (الخالق) بطرد ادم وحواء مباشرة من الجنة (الغرفة العلوية) الى الاسفل (الارض) بعد ذلك اقفل الابواب وكسر ممسكة الباب لتقع في الأرض وهي كانت الأداء المستخدمة في اول جريمة قتل
نلاحظ بعدها ان (الزوجة) حاولت طردهم
ولكن لازال (الزوج) رحيم رؤوف بهم رغم خطأهم وغضبه ، بعد ذلك دخل (الزائر وزوجته) لممارسة العلاقة الجسدية التي نتج عنها في اليوم التالي قدوم الأبناء (قابيل وهابيل)
وفي مشهد الان يتضح للكل يأتي الخلاف الذي ادى الى ارتكاب اول جريمة قتل في الكون وهنا بدأ سفك الدماء ولم يتوقف الى يومنا هذا ..
وهنا دلالة بأن الخطيئة بدأت من آدم وحواء ثم جاء النسل يحملونها في طبيعتهم (وبالخطيئة يأتي الموت) 
وفي مشهد سريع يعود (قابيل) لترى (الزوجة) ان صورة (زوجها) ممزقة وهنا اشارة للتمرد في العصيان الذي سيستمر ...
بعد ذلك نجد ان بقعة الدم الناتجة من الجريمة تصبح شغل (الزوجة) الشاغل فكلما حاولت مسحها من الارض تظهر من جديد اشارة ان الارض تلطخت بدم بريء ولازالت كذلك فكلما حاولت تغطيتها بغلاف خارجي ينتشر الدم ليخرج مرة اخرى على السطح وكأنه يُمثل صرخة النفس المقتولة ظُلمًا على الارض كما ذُكر ان (الخالق) خاطب قابيل فقال : ماذا فعلت ؟ فإن صوت دم اخيك يصرخ إلي من الارض ! وهنا دلالة ان الدم المسفوك يبقى كالنفس ولا يزال اثره 
حتى نرى (الضوء) وهو يحاول احتواء الدم بعد ان تغلغل الى الارض وتشعب لكن دون فائدة ، والضوء هنا بمثابة الصالحين في هذه الأرض الذين يبحثون عن السلام وعن محاولة وقف سفك الدماء لكن مهمتهم تفشل ثم يتعمق الدم الى الارض حتى تتبعه (الزوجة) ويذهب بها الى الاسفل ليبين لنا ان آثار هذه الجريمة سيتبعها الكثير من الدمار والخراب الى ان يحدث الانفجار العظيم فتفنى الأرض (وكما يعتقدون ان الارض تكونت من انفجار عظيم وستنتهي بإنفجار عظيم)
بعد الجريمة توالت الاحداث وحضر للمنزل اقرباء (الزائر) وهم يصورون ذرية (قابيل) التي عُرف عنهم انهم عاثوا بالارض فسادا فبدؤا شيئًا فشيء بتخريب (المنزل) والبعض يصبغ وكأنهم لونوا الارض كما يشاؤون والآخر يمارس الحب ثم نلاحظ قدوم شخص سيء الأخلاق وقح اخذ يطلب (الزوجة) ان تأتي معه وقال لها (اني اعرف هذه العائلة جيدًا) فرفضت ذلك فقال : انك لاتعرفين ما استطيع فعله فأصرت على الرفض فإذا به يوصفها بالمتعجرفة وذهب ، وهنا تصوير سريع (لأبليس) ثم يستمر المشهد ويستمرون
في التخريب والتكسير حتى طردتهم (الزوجة)
بعد ذلك نقترب من الإلهام الذي كان يبحث عنه (الزوج) ليبدأ في كتابة (القصيدة) وهي المقصود بها (كتاب الإنجيل) بعد ان علم بالحمل قال : وجدت الإلهام وجدت ضالتي فبدأ بكتابة (القصيدة) = (الإنجيل) بداية بإرسال هذا الطفل الذي يمثل (المسيح) الى البشر لكي يهديهم الى الطريق الحق بعد ان رأينا مشهد متسلسل يصور وقائع الحياة بما مرت به من حروب وفقر ومظاهرات ودمار شامل حيث قام المخرج بالإشارة الى الفئات المتطرفة بإسم الدين والكتب المقدسة على هيئة امرأة (المحررة) للزوج التي خرجت في الجزء الاخير من الفيلم حيث بدأت تأمر بالقتل ، الى هنا لانزال نرى (الزوج) رحيم بهم حتى قدم لهم (الطفل) وعندها يصور المخرج مشهد تضحيتهم به دلالة انهم صلبوا (المسيح) وهنا تتجدد الفوضى ويستمر الدمار حتى انتهى الحال (بالزوجة) في القبو لتقرر استخدام (النار) لتدمر نفسها فيحدث (الانفجار) الذي يمحي الكون كما ذكرنا سابقًا
دعونا نتوقف هنا ونتذكر كيف كانت (الزوجة) تمنع (الزائر) من التدخين عندما قالت : نحن لاندخن داخل المنزل !
وهذا موضوع آخر يشير به المخرج الى ظاهرة التلوث كما يعتقد بعض المسيحين ان التلوث البيئي يعد خطيئة تسيء للانسان وللطبيعة وتؤثر على الصحة العامة ، لذلك رأيناها ترمي (القداحة) بعيدًا ثم لجأت إليها اخيرًا (في القبو) وكأنها تستخدم ماصنعوه البشر لتنهي هذه الحياة..
نأتي الان للمشهد الاخير حيث (الزوجة) تحتضر بين يدي (زوجها) فتقول : اكثر مايؤلمني انني لم اكن كافية لك ! فرد قائلًا : ليس خطأك فأنا لايكفيني شيء وفي كل مرة سأحاول الابداع لكني احتاج الى (حبك) !
فأخذ قلبها وزرعه في الارض مرة اخرى لتأتي (طبيعة ام اخرى) وتحاول فعل ماهو افضل من قبلها وتلهم (الزوج) بكتابة (قصيدة) اخرى افضل من السابقة .. !!
*في الحقيقة البعض سيتسائل : أليس من المفترض ان الزوجة تلعب دور (مريم العذرا) اعتقد ان المخرج لم يريد التركيز عليها بهذا المنظور فأخذ بالاعتقاد الذي يقول : ان المسيح لم ينمو كما ينمو الانسان العادي لذلك استغنى عن تجسيد (مريم العذراء) واكتفى (بالطبيعة الأم) كما ذكر في احدى اللقاءات انه يريد ان يصنع فيلمًا عنها
اما بالنسبة للمشاهد التي تتحسس فيه (الزوجة) جدران (الارض) في كل مرة حيث يظهر القلب وهو يسّود في مشهد بعد مشهد حتى تمكن هذا (الوباء) من السيطرة عليه وهنا اختل التوازن ، ولنعود قليلًا لمشهد (الزائر) وهو يستفرغ في المرحاض وفي هذا المرحاض نفسه وجدت الزوجة كائن بشع وغريب وعندما لمسته نفث الدم وهنا قد يكون رمزًا الى ان الصفات السيئة خرجت من آدم وبثت سمومها في المنزل حتى تأثر قلب الطبيعة الأم
واخر نقطة احب توضيحها هي (المادة الصفراء) التي كانت تشربها (الزوجة) كلما احست بالتعب مع العلم انه عندما سُأل المخرج عنها قال : لن اجيب على هذا السؤال وسوف آخذ هذا السر معي الى القبر ، اعتقد ان المخرج هنا انتقل لموضوع الفيزياء والطبيعة ، كلنا نعرف ان حالات المادة ثلاث : ١- سائلة (وهو الماء التي تسكبه الزوجة في الكأس)
٢-صلبة (وهي حبيبات الدواء)
٣-غازية (وهو الغاز الذي نتج عندما وضعت الدواء في الماء)
*كل هذا يوصلنا للحالة الرابعة للمادة وهي (البلازما) والمعروفة بلونها الأصفر والتي تغطي الغلاف الخارجي وتتصدى لكثير من العوامل التي تؤثر الى الارض
لذلك (الزوجة) عندما تشعر بإختلال تشرب هذا الدواء.
هنا ينتهي توضيح النقاط ونأتي لباقي عناصر العمل ..
اعتقد ان جينيفر لورانس سوف تترشح على الاقل لعدة جوائز ، ابدعت واقنعت ، عشت معها مشاعر مرعبة وغامضة وموترة من اول مشهد الى النهاية ، تعابير الوجه مقنعه لأبعد درجة مع العلم ان الموسيقى التصويرية لم تكن حاضرة لكن طريقة التصوير + اداءها كان ملفت بشكل جميل ومع العلم ان التركيز كان عليها اغلب الوقت ولكن لايعني ان خافيير وايد هارس لم يقدموا اداء رائع فقط فلقد اعطوا الدور مايستحقه وللأمانة الممثلة (ميشيل فايفر) كان خروجها قليل لكن ظهرت بشكل قوي جدًا يثير اهتمام المشاهد ، في النهاية هذه احدى الاعمال التي قد لاتعجب الكثير من المشاهدين لأنه يسرد فلسفه خاصه به لايتقبلها شريحه كبيرة من المتابعين.