Last Year at Marienbad

Last Year at Marienbad ★★★★

(( أردت رؤيته مرة أخرى ، لمعرفة ما إذا كان فيلمًا سخيفًا أم عميقًا ، و بسذاجة شخص كان يأمل في العثور على الحقيقة في الفن ! ))
▪️ هكذ وصف الناقد “روچر ايبرت“ رائعة “آلان رينيه“ Last year at marienbad ، العمل الأكثر غموضًا ربما في تاريخ السينما الفرنسية .. الذي نادراً ما تجد من يتحدث عنه بإسهاب لكثرة التفسيرات و التأويلات حوله ، و إختلاف الرؤى من شخص لآخر ، لما يحمله من لمسة سيريالية .. حتى أنه أصبح حديث النقاد و الندوات السينمائية ليستطيع كل منهم عرض رؤيته عن الفيلم !
🔹 الفيلم يتناول قصة لثلاث شخصيات رئيسية - بدون أسماء- ، امرأة و رجلان ..، أحدهما زوجها او عشيقها - كما قدمه الراوي - ، و الآخر ضيف في حفل كبير ، يحاول إقناع تلك المرأة انه إلتقى بها العام الماضي و إن بينهما علاقة غرامية ، رغم إنكار المرأة مراراً و تِكراراً ، و عدم تذكرها شئ من هذا ، إلا إنه يُصر و يحاول تذكرتها بعدة أحداث و حوارات دارت بينهما ، لكن دون جدوى !
و لكن لاحقاً ، بدى الأمر أنها غير سعيدة في زواجها .. و هو ما جعلها تستمع إلى الضيف بمزيد من الإهتمام ، و كأنها بدأت تُصدق مزاعمه !
🔸 تبدأ احداث الفيلم بإستعراض بانورامي لقصر ضخم و فاخر يشبه القصور الآثرية المليئة بالعمدان و الحلى المعمارية .. الجدران المزينة بالنقوش و اللوحات الغامضة ، كما يحوي عدة تماثيل و مرايات و ممرات طويلة واسعة ؛ هذا بالإضافة إلى الصالونات و المعارض التي تعكس فخامة (الفندق) ... !
- في حفل كبير داخل هذا القصر الفاخر المُتنكر في هيئة الفندق ، نجد الشخصيات الثانوية نمطية للغاية ، ذو ملابس و حُلى أنيقة تعكس الطبقة الأرستقراطية المنتمون إليها .... شئ وحيد مُلفت للنظر بين تلك الشخصيات ، ما لهم من وجوه متجهمة لا حياة و لا روح فيها !
و آثناء الأحاديث التي تدور بينهم نجد ان الكاميرا تتوقف لتتجمد حركتهم لثوانٍ ، يتوقفون عن الحديث ، يتوقفون عن الحركة .... بينما يواصل من في الخلفية حركته و كأنه في عالم معزول عنهم !
تدور بينهما أحاديث و أحداث ، تبدو و كأنها تدور بين المرأة و الضيف بل و تنعكس ردود أفعالها عليهما رغم عدم تواجد أحدهما بموقع الحدث ..!
- حتى الأحاديث المباشرة التي دارت بين المرأة و الضيف وجهاً لوجه ، كانت في عِدة أماكن ما بين الماضي و الحاضر ، و ما بين الواقع و الخيال .. في تلاعب مُشتِت لأفكار و شعور المُتلقى ، و إفقاده الإحساس بالزمكان !
- يقترح الزوج على المدعوّين لعبة لا يخسر بها أبداً ، تتضمن وضع عدة صفوف من البطاقات أو أعواد الثقاب ، ثم يتناوب اللاعبان في إزالة البطاقات بقدر ما يريدان ، و لكن فقط من صف واحد في كل مرة .. اللاعب الذي بقى مع آخر بطاقة هو الخاسر !
الأمر المثير للريبة إنه بالفعل يفوز في كل مرة ! لا يهم من يلعب أمامه و لا يهم من يبدأ أو ما هي إستراتيچيته المُتبعة !
- الزوج دائماً يفوز .. فيخبره الضيف أن فوزه الدائم لا يجعل منها لِعبة و يُفقدها صفة التنافسية ، ليجيبه أنه (يخسر فقط عندما يريد ذلك !)
لا يهم النظرية التي يتبعها الزوج في ذلك ، فمحاولة تفسيرها أشبه بمحاولة تحليل أحداث الفيلم .. يُمكننا قول أي شيء نريده ، و لكن في النهاية هذا لن يحدث فرقًا !
▪️ الفيلم يعتمد بشكل كبير على التضادات ، و يطرح جميع الإحتمالات التي تخلق عالماً واسعاً من التساؤلات .... ،
• نجد المرأة - التي تعد المحور الرئيسي و المحرك الدرامي للفيلم- ، بين الثوب الأبيض تارة و الأسود تارة ، ربما في المشهد ذاته !
• الفيلم يقترح أن المرأة و الضيف كان لهما علاقة غرامية ، و يقترح أن لم يكن بينهما شيئاً من ذلك !
• أنهما إلتقوا من قبل ، و أنهما لم يلتقوا سوى بتلك الحفل !
• يفترض الفيلم أن زوجها كان يعلم أن هناك شخصاً ما يسعى وراء زوجته ، و أحياناً لا يعلم شيئاً !
حتى ان احداث الفيلم تفترض أنه قتلها ، ثم نجد أن هذا لم يحدث !
▪️لنكتشف في النهاية أن مُتعة الفيلم تَكْمن في هذه التساؤلات ، و ليست في الإجابات و التفسيرات !
🎞️ و بقليلٌ من الإجتهادات بعد ثلاثة مشاهدات ، توصلت إلى - رأي شخصي بحت- ربما يشاركني به البعض ، أن هذا الضيف لم يكن بشرياً على الإطلاق !
إما أنه شخص وهمي من خيال المرأة صنعته للهروب من واقعها و إهمال الزوج لها و عدم شعورها بالسعادة في حياتها ..؛ أو أن هذا الضيف يُجسد الموت الذي جاء لحصد جائزته بعد أن أقدمت المرأة على الإنتحار منذ عام في كارلستابت ، مارينباد ، أو بادون سالسا !!
.
.
📝 على المستوى الفني و التِقني ، فإن هذا العمل يُعد ثوري و طليعي بلا شك ، فقد إتخذ شكلاً مغايراً للسيناريو -كحال الموجة الفرنسية الجديدة- و إستطاع “آلان رينيه“ بمساعدة المؤلف “آلان روب جرييه“ أن يخلقا أسلوب سرد مميز لم أراه سوى في هذا العمل.
🎥 هذا بالإضافة إلى حركة الكاميرا التي تُعد بطل الفيلم الرئيسي بلا منازع .. الفرنسي “ساشا ڤيرني“ الذي سبق و قدم مع “رينيه“ الفيلم الأسطوري Hiroshima Mon Amour ، تجوّل بكاميرته بين أروقة و ممرات القصر ، و تأمل التماثيل و اللوحات و الأسقف المزخرشة .. إهتم باللقطات الواسعة لحديقة القصر التي شكلت لوحات فنية مُنفردة ، و لم ينسى أن يولي نفس القدر من الإهتمام لتعبيرات وجوه الشخصيات الرئيسية و إنفعالاتهم ، فلم تطغى الصورة الجمالية على الحالة الشعورية في الفيلم ...، كما وظف إستخدام المرايات و الظلال لخدمة المحتوى بشكل ممتاز ، و كأنه دَرسٌ متكامل عن التصوير السينمائي مُدته ٩٠ دقيقة فقط !
✂️ و إن كان التصوير السينمائي هو بطل العمل الرئيسي ، فلا شك ان المونتاچ هو العنصر الثانوي المساعد ، فالإنتقال بين مشهد و آخر في ظل عدم إنتظام السرد مُهمة صعبة لا يُتقنها الكثيرون ، خاصة مع التنقل الزمني و استخدام (الفلاشباك) ، و تداخل الماضي مع الحاضر .
🎼 و جاءت الموسيقى كحَبة الكرز التي زيّنت الحلوى ؛ رُبما هذا الوصف لا يُلائم طبيعة موسيقى القداس الجنائزية التي قد تُشعر المتلقي بالنعاس ! ..، و لكن التماهي مع أحداث الفيلم هو ما أكسبها قيمتها الفنية ، و خلق لها سحراً خاصاً.
.
.
Last Year At Marienbad (1961)
Dir. Alain Resnais