The Choice

The Choice ★★★★★

This review may contain spoilers. I can handle the truth.

This review may contain spoilers.

الاختيار ١٩٧٠

تجربة أخري مع المبدع "يوسف شاهين"

جثة مجهولة الهوية تحت الباب علي مصراعيه أمام سيل من الأحداث منبتها صراع شديد الغموض بين توأمين أحدهما كاتب ومثقف ذو مقام مرموق والاخر صعلوك جامح ... في رحلة بحث عن الحقيقة نري تفاصيل وخبايا الصراع بين الشقيقين سيد ومحمود .. تري في إلي أين ستصل بنا مركب البحث؟ وتري هل الحقيقة هي مجرد الوصول إلي هوية الجثة وهوية القاتل أم أن للحقيقة بعد أخر أبعد من ذلك؟

خلينا نقول ان الفيلم ده دسم للغاية ولذلك لازم نفصصه حتة حتة .. بداية هو كتابة مشتركة ما بين الرائعين "نجيب محفوظ ، يوسف شاهين" وكل واحد فيهم بصمته في العمل واضحة وباينة أوي في جنباته وتفاصيله .. اثر نجيب محفوظ باين في كذا نقطة فبداية بالصراع الأشهر واللي تكرر كتير في أعمال نجيب محفوظ بالذات في الستينيات الصراع ما بين المثقفين والعوام .. سيد بيمثل المثقفين بكل إنتهازيتهم ووصوليتهم وإستعلاءهم و محمود بيمثل العوام ببساطتهم وأنطلاقهم نحو الحياة دون إي إعتبارات نظراً لأن ما عندهمش شئ يخسروه وخبرتهم في الوجود المبنية علي تجاربهم الشاقة والصعبة .. بنشوف بوضوح الصراع المحتدم بين الاخين واللي بيوصله الأخ المثقف إلي ذروته ... بنشوف جانب تاني من الجوانب الموجودة بشكل دائم في أدبيات نجيب وهو البحث عن الحقيقة جنباً إلي جنب مع البحث عن الذات وأزاي أن الفيلم كان عبارة عن رحلة سيد للبحث عن ذاته عما ينقصه وبنشوف الرحلة دي وصلته لفين في النهاية .. التأمل الفلسفي ورحلة البحث عن الحقيقة سواء بالشكل الفلسفي او في القالب الصوفي نقدر نقول هي جزء لا يتجزأ من أدب نجيب وأنعكست يمكن في معظم أعماله .. هنا البارز أكثر والأوضح رحلة البحث عن الحقيقة اللي بتتحول لبحث عن الذات والنفس لكن في الخلفية في رحلة صوفية بتبزر من خلال البحث عن الحب والسكينة والرغبة في الموت للوصول إلي الحقيقة .. محمود كان بيرغب في الموت للوصول للحقيقة وشريفة كانت بتبحث عن الحب والسكينة وسيد كان بيبحث عما ينقصه واللي في النهاية أكتشف انه السكينة والحب والصدق مع الذات .. الرحلة دي اتصاغت في قالب عصري لكنها في قلبها عبارة عن رحلة صوفية الطابع الكل يبحث فيها عن المطلق او ما أصطلح علي تسميته في الفيلم بالحقيقة ... الجانب الثالث في الفيلم والل بيوضح بصمة نجيب محفوظ الواضح هو الصراع النفسي .. أعمال نجيب الروائية كله لا تخلوا من الجانب النفسي والتحليلي للذات البشرية .. نجيب لم ينكر طول حياته أنه متأثر بشكل كبير بديستوفسكي واحب اضيف انه متأثر إلي جانب ديستوفسكي بفريدريك نيتشه وفرويد .. والثلاثي ده يمكن أعظم من حلل النفس البشرية بس كل منهم صاغ تأملاته وتحليلاته للذات البشرية بأسلوبه الخاص واحد بالأدب وأخر بالتفلسف والثالث بالأسلوب العلمي .. محفوظ وهو تلميذ نجيب في مدرسة هؤلاء الثلاثة صار علي نفس دربهم وأبدع في إستخدام التحليل النفسي في أدبه وأنه يبني شخصيات ذات ابعاد مختلفة أحد أهم أبعادها هو البعد النفسي .. هنا المسألة كانت واضحة ومحورية حيث الأزمة النفسية كانت هي بطلة الأحداث من أول شعور الكراهية والغيرة اللي جوا سيد المثقف تجاه أخوه محمود إلي الإزدواجية اللي بتصل إلي حد الشيزوفرينيا عند سيد وأزاي أنه قدر عبر تقمص شخصية أخوه يعوض النقائص اللي في شخصيته .. الجميل أن نجيب وبمساعدة شاهين قدرو يستخدموا هذة الخيوط النفسية في عمل إسقاطات علي مواضيع سياسية في جانب منها فالمرض النفسي كان وسيلة لتوصيل معني معين وليس غاية في حد ذاته علي عكس "دكتور جيكيل ومستر هايد" .. نخش علي جانب أخر من بصمات محفوظ الواضحة علي النص وهو التأثر بالأدب العالمي وهي مسألة متكررة في كتير من أعمال نجيب وقدر يعملها هنا بشكل راقي فعلي قدر تأثره علي قدر ما قدر يخلق لهذة القصة هويتها الخاصة وشكلها المستقل بعيداً عن الأعمال اللي تأثرت بيها .. القصة هنا هي معالجة عصرية بتتداخل فيها الخطوط الأساسية لرواية "دكتور جيكيل ومستر هايد" مع الخطوط الأساسية ل"عطيل" .. نجيب مجرد خد الخطوط الأساسية للنصين ثم بدأ ينسج عليهم قصته الخاصة اللي بتسبح قي عصرها بتعقيداته وتفاصيله وعالمها الخاص بمتناقضاته المختلفة .. تجربة عقبرية للغاية الحقيقة وفيها إبداع ينم عن عبقرية أصحابه ... الجانب الأخير اللي ح أتكلم فيه بخصوص نجيب هو خاص بتأثر نجيب محفوظ بنفسه .. حسيت طول الفيلم أنه عبارة معالجة مقلوبة ل"اللص والكلاب" .. المرة دي القدر فيها أختار المثقف كان يقتص منه .. في "اللص والكلاب" سعيد مهران هو اللي بيطارد وبينتهي بيه الأمر محاصر وعلي حافة الهلاك .. في الص والكلاب الجماهير المغدور بيها هي اللي دفعت الثمن والمثقفين الخونة فلتوا بجريمتهم ... هنا "سيد" المثثف الخائن هو اللي بيطارد وبيحاصر وبيتم الإيقاع بيه في النهاية .. شبه منسوخ من نهاية اللص والكلاب بالملي حتي بتفصيلة موقع المطاردة .. في النهاية جوا عربية الإسعاف المثقف بيخش في معركة مع الصعلوك بينقض فيها الصعلوك علي المثقف وبيطلب منه الرحمة ... وكأن سعيد مهران قدر أخيراً وبعد كل هذة السنين يقتص من رؤوف علوان ويعاقبه علي خيانته

نيجي لأثر شاهين علي النص .. أول أثر واضح للغاية في النص هو إشارة شاهين لذاتية هذة التجربة .. في أول الفيلم في المشهد اللي بيدخل فيه "سيد" عشان يلتقي الوزير بيدور بينه وبين سكرتير الوزير "سعد أردش" حوار بيسأله فيه عن أعماله وأزاي بيقدر يستلهم هذة الشخصيات ويحللها رغم أنه بعيد عنها ثم يأتي علي ذكر "هنومة ، قناوي" وهما أبطال فيلم "باب الحديد" اللي أخرجه يوسف شاهين قبل هذا الفيلم بقرابة ٢٠ سنة .. هنا حسيت ان شاهين عاوز يشير إلي أن التجربة فيها بعد ذاتي وانها بتحمل جزء من شخصيته وصراعاته جواها .. صراع المثقف والصعلوك في الفيلم ده في نظر شاهين هو صراع ما بين التصلب والإلتزام والقيود وما بين الإنطلاق .. في جانب منه هو الصراع ما بين ما تريده الدولة من قيو وما يريده المبدع من حرية بلا حدود .. وفي جانب أخر هو الصراع ما بين شخصية شاهين اللي حاول أهله انهم يقولبوه جواها وما بين شخصيته اللي أخترها لذاته .. بعد كدة هو جسد ده بشكل واضح في فيلم "حدوتة مصرية" لكن هنا الموضوع كان في مهده ... جانب أخر من بتظهر في بصمة شاهين وهو الجانب الأيروتيكي والعاطفي من القصة بناء علي الأشارة الأولي لذاتية هذا العمل بنقدر نشوف بعض الجوانب في شخصيات الفيلم اللي كانت لتكون غامضة لولا التفسير الأولي ده .. يمكن اهم جانب خدت بالي منه في الفيلم العلاقة المريبة ما بين الظابط المسئول عن القضية "محمود المليجي" والظابط الصغير "سيف عبد الرحمن" .. من المعروف ان معظم أعمال يوسف شاهين لازم تحمل علاقة مثلية بشكل او بأخر والإشارة ليها بتكون تعبيرية ومتدارية مش مباشرة شعرت في العلاقة ما بين الشخصيتين دول بجوانب مختلف جانب منه حسيت بيرمي لنوع من الإنجذاب المثلي من الظابط الكبير تجاه الظابط الصغير حتي حسيت بنوع من الغيرة في تعبيراته لما شاف خطيبته معاه .. جانب أخر من حسيت في نوع من الأبوية فهو بيعامل هذا الظابط علي أنه أبنه اللي بيعوضه عن عدم وجود أبن حقيقي ليه .. جانب اخر ظهر أوي في النهاية أن بيري فيه صديق بيحطم بيه وحدته الدفينة .. جايز تكون دي إشارة لشئ ذاتي عند شاهين ... العلاقة ما بين سيد وشريفة وشريفة ومحمود في جانبها الأيروتيكي معقدة شوية .. سيد الرجل المنهمك في الثقافة والإبداع عنده حالة من الفتور تجاه زوجته فهو في جانب أستغلها وخد منها غرضه فلذلك ما بقاش مهم عنده أنه يلبي إحتياجاتها وفي جانب رجل يجهل كيف يحب وكيف يحتضن نصفه الأخر علي عكس محمود اللي رغم انه ليس بقيمة ولا ثقافة أخوه الا أنه كان عنده قدره كبيرة علي ده ولذلك ولشعور سيد بالعجز قصاد محمود نفاه وتقمص شخصيته ليستأثر بهذا الجانب لذاته .. شاهين هنا أستخدم فكرة العجز الجنسي والعاطفي لإسقاط معني مهم وهو عجز المثقف اللي عايش في برج عاجي علي التعاطي مع أبسط تفاصيل الحياة وأن حياته المعقدة مع الوقت بتنقض عليه وبتخنقه من ابسط جوانب الحياة وده كان مبرر قوي للغيرة بين سيد ومحمود .. شريفة عبر حركات تعبيرية كتير وجمل حوارية كتير اصر شاهين علي أنه ينسجها كمثال للرغبة الحيوانية في ذروتها والعاطفة في نشوتها والإنسانية في أبسط صورها .. الإنسان في أبسط صوره أو خلينا نقول في صيغته الفطرية الغريزية الأولي .. المشهد الأول ليها لما بتزحف علي إيديها ورجليها وهي بتدور علي الكلب حسيت فيه بتعبير قوي عن مفتاح الشخصية وهو الغريزية اللي مخلياها في تناقض صارخ مع زوجها في تقارب مع أخوه .. الجانب الأهم في تأثير شاهين علي النص هو أن الفيلم كحالة بيجي ضمن سياق أعمال شاهين بعد النكسة .. فإلي جانب "العصفور ، عودة الأبن الضال" بيمثلوا نوع من الإستتابة الفنية اللي قدمها شاهين لجمهوره عن الفترة اللي كان بيقدم فيها دعايا سياسية للنظام الناصري وكذلك بيمثلوا نوع من النقد اللاذع لمنظومة يوليو من قلب شخص أمن بمبادئها لأبعد حد .. هنا شاهين بيحاكم علي لسان محمود الصعلوك كل النخب الخائنة والمجرمة اللي ألقت بالجميع ءي جحيم الهزيمة

الفيلم بيحمل إلي جانب الأسقاطات السياسية والمعاني الفلسفية فنيات كتير فهو عمل أستخدم الأسلوب التعبيري لتوضيح ما يقطن بين جنبات شخصياته .. عبر الكادرات والديكور والمونتاج قدر شاهين يعكس تعقيدات وتفصيلات كل شخصيات ويعبر عن المعني اللي بيرمي إليه

بيعب الفيلم في رأيي التمثيل اللي خد صبغة مسرحية أكثر من اللازم وكذلك المباشسرة في بعض الجمل الحوارية اللي كانت شبه إلقاء لإقتباسات أدبية في وجه الجمهور بطريقة أقرب لطريقة المسرح وكمان مسرح الهواة .. مش ح أتكلم عن الغموض والنخبوية لانها في النهاية وجهة نظر المبدع والطريقة اللي شافها أنسب لتعبيره عن ما في ذاته

ككل التجربة عبقرية ورائعة .. حتي لو ما حبيتهاش لكني ما أقدرش أنكر أني أحترمتها