Killers of the Flower Moon

Killers of the Flower Moon ★★★★

بعد رحلة طويلة تخللتها العديد من المحطات المختلفة شكلا ومضمونا ها هو سكورسيزي يحط الرحال في عالم الغرب الامريكي "الحديث" ليروي لنا صفحة أخرى مظلمة من تاريخه المقتم والمليئ بالتجاوزات الإنسانية التي كانت نتيجتها مجازر دموية ونفسية لسكان أرض اصليين تم اغتصاب أرضهم واخذها منهم عنوة، وحينما أرادوا ابعادهم وجمعهم في بقعة معينة من امريكا، تفاجؤا عندما وجدوا هذه البقعة التي أصبحت منفى للهنود تحتها يوجد كنز لا يقدر بأي ثمن، كنز سوف يبنى عليه المستقبل وكل شيء من دونه ما هو الا جماد عديم فائدة وقيمة، كنز يطلق عليه "الذهب الاسود"، أنه النفط يا سادة والذي جعل من شخص يهودي يدعى "هيل" يركض لاهثا خلف ملاكه عن طريق اندساسه بينهم ليس حبا فيهم وانما حبا فيما يملكون.
رحلة مليئة بصور الوحشية والاجرام الامريكي الغاصب والسالب للحقوق وسط مجتمع جاهل وقليل الخبرة في دهاء ابن الشيطان. عالم يمثل الأساس الذي نشأت وتطبقت عليه للمرة الاولى صورة الرأسمالية بكل قباحتها وبميلها الدائم نحو سلب كل ما يمكن أن يجعل من أي إنسان حيا. سكورسيزي يحيي ذكرى قبيلة الاوساج ويكرمهم في فيلم جميل ذا مضمون قيم وسلس ومن السهل اتلقي أفكاره التي يحاول أن يصوغها ويقدمها في قالب درامي محكم ومترابط قصصيا.

سكورسيزي يرسم أحدى اللوحات التي قد تكون الأخيرة في مسيرته ويعود بعد مضي أربعة سنوات على عمله الذي لا ينسى والذي جعلني أثناء مشاهدته أود التحليق عاليا في سماء التعبير لأكتب عنه وأصفه، أنتهى حينها وانا في صمت وحيرة مما شاهدته للتو، واكرر على نفسي السؤال ذاته مرة تلو الأخرى: كيف فعلها هذا العجوز مجددًا، كيف نجح مرة أخرى رغم عمره الكبير واقترابه من الاعتزال من جعلي اتذوق اكثر المنتجات السينمائية لذة وجودة، كم هو رائعًا هذا السكورسيزي! ،،، وهذه المقدمة الطويلة لأخبركم وللأسف الشديد بأن العجوز لم يقدم مع آبل ما قد قدمه مع نيتفليكس، عمل رائع، جميل وممتع رغم وقته الطويل ولكنه بلا شك لن يكون من افلامي المفضلة لمارتي، أن شاهدت في فيلم "الإيرلندي" سكورسيزي الشاب ف انا هنا حتما شاهدته عجوزا.

بعد إنتظار طويل وتأجيل احزنني كثيرا في السنة الماضية وصل فيلم سكورسيزي، ولدي فرصة لمشاهدته في قاعة السينما مع حشد من المحبين له "للأسف كان العدد قليلا، فلم نكن سوى عشرة اشخاص في القاعة ككل"، تجربة لم أتوقع أني كنت سأخوضها ولكن ها انا ذا أمام الشاشة السينمائية الأكبر وقد كتب عليها في أحد الكدرات: من إخراج مارتن سكورسيزي وبطولة دي كابريو ودي نيرو، اسماء مرعبة وما زاد هيبتها وقوتها في نظري اكثر هو مشاهدتها داخل قاعة السينما.

فيلم الغرب الامريكي الذي طال انتظاره لسكورسيزي يأتي بصورة وبشكل مختلف عما سبقه في هذا التصنيف ليقدم لنا تجربة مختلفة ومميزة في معالمها وسط مجتمع امريكي فريد ولم نشاهده كثيرا في الافلام؛ فيه الهنود الحمر هم الاسياد والمسيطرين، والبيض ما هم الا عاملين لديهم. قصة مليئة بالأحداث التاريخية التي تحمل في طياتها من النقد الكثير لنقطة سوداء في تاريخ الشعب الامريكي تم فيها تجريد ملاك بعض الأراضي الغنية بالنفط من أراضيهم أن كان من خلال التخويف او القتل. قصة نرى فيها الجانب المظلم والمثقل بالخطايا للأنظمة الرأسمالية في عالمنا وما قد بنيت عليه في الأساس من ظلم وجشع وطمع ودماء تسفك او تمتص لغرض الصعود اكثر واكثر. قصة نجد فيها اليهود يحاولون السيطرة على كل شيء من خلال القضاء على كل شيء. قصة مليئة بالصراعات النفسية والقومية وسط خيوط قصصية مبعثرة وشائكة وتترك المشاهد في حيرة تبدأ بالاختفاء مع تقدم الأحداث. مع قصة حب يتخللها شك وخوف من مستقبل مجهول وغير معلومه نهايته، قصة مثقلة بكل أنواع التردد والخوف وتصبح كالوتد الذي يتكأ عليه الفيلم في رحلة صاحبه من أجل سرده.

أن كان في هذا الفيلم عيبا بسيطا فيكون هو السيناريو الذي كُتب له، وأن كان في هذا الفيلم عيبا كبيرا فسيكون ايضا هو السيناريو الذي كتبه إيريك روث. روث قد ترشح سابقا لستة جوائز اوسكار وفاز في واحدة منهن، ولا أستطيع أن اقول أني من كبار محبي طريقة اقتباسه للكتب وكيفية كتابته لها وصياغته لحواراتها، الفيلم هذا يفتقد للحوار الجيد الممتع الذي تغلب عليه اللمسة السكورسيزية الفاخرة والتي لطالما كانت علامة مميزة في افلام سكورسيزي لكنها في هذا الفيلم غائبة، وحتى حينما أرادت أن تظهر تعثرت وسقطت في رتم السرد الذي تم من خلاله طرح الأحداث، تخيلوا معي أن الفيلم وصل تقريبا الى فصله الأخير وانا مازلت اطرح على صديقي الذي كان جالسا بجانبي سؤالا كهذا: ما تصنيف هذا الفيلم؟، أن كان درامي فأين هي الدراما المؤثرة والتي تخلق أثر بليغ في صدر المشاهد، وأن كان فيه صبغة من الغموض وهذا ما حاول أن يصوره لنا الفيلم في البداية، فلمَ استسلموا مبكرا وجعلوا الفيلم يسير في خط واحد لحين النهاية؛ نعم أنه الخط التاريخي الذي كان سميك جدا لدرجة قد غطى فيها على بقية الخطوط وخاصة الخط الدرامي. الفيلم تشعر وكأنه محاضرة تاريخية، او رواية عن مجموعة ظلمت عرقيا، يتم طرح قصتهم على الشاشة اخباريا دون أي ابتكار او اضافات إبداعية. وعندما اتكلم عن رتم سرد القصة السريع فانا هنا لا اقصد لحظات الإثارة المستمرة وانما أقصد سرعة التنقل بين سنة وأخرى دون أن ينتبه المشاهد والذي بعد كل حدث مهم يجد نفسه يقفز الى حدث آخر مهم دون أن يتم إعطاء أي حدث من الاثنين حقه من النضج الدرامي.

ثلاثة ساعات ونصف ومع ذلك تشعر كأن سكورسيزي وروث كان لديهما فيلم طوله ساعتان ويودان أن يقولان الكثير والكثير لكن دون أن يصيغا ذلك بأفضل صورة، لتكون النتيجة على حساب جودة الفيلم نفسه من خلال تحميل سيناريو الفيلم ما لا يستطيع وهذا ما حصل؛ فوجدنا أنفسنا لاهثين خلف خطوط السرد التي طرحت القصة من خلالها دون أي مكافأة.

الفيلم بشكل عام جميل وفيه العديد والعديد من النقاط الإيجابية التي تجعل من فيلم أي مخرج صغير او مبتدئ؛ تحفة رائعة وعلامة فارقة في مسيرته، ولكن يا سادة دعونا نتذكر أن هذا الفيلم لسكورسيزي صاحب المسيرة التي وصلت لما يقارب الستة عقود وفيها عشرات الافلام، سكورسيزي في هذا الفيلم كان حضوره باهتا أن كان من خلال طريقة تقديم القصة وكيفية سردها، او حتى من خلال الاجواء السردية التي يتم فيها طرح تسلسلات الفيلم القصصية.

الفيلم متميز في عدة جوانب وبشكل جلي لأعين المشاهدين؛ أن كان على صعيد السينماتوغرافي الرائع في طريقة إختيار الالوان وكيفية توظيفها ضمن عالم الفيلم وما تدور في صدده القصة او من خلال ابعادها الجمالية التي أضفت شيء من المتعة البصرية على تجربة المشاهدة،
او من خلال موسيقى روبي روبرتسن الخلابة والتي عكست وبشكل فعلي الحقبة التي تدور فيها الأحداث وطبيعة من تدور حولهم القصة "قبيلة الاوساج من الهنود الحمر" من خلال اقتباس موسيقاهم البسيطة كالطبول وتوظيفها بشكل محكم ومعبر اكثر لتصبح هذه الموسيقى كالدفة التي تتحكم في سفينة السرد التي كان قبطانها سكورسيزي وكان روبرتسن أحد مساعديه المؤثرين والفعالين في هذه الرحلة.

على مستوى الاداءات التمثيلية فالاكيد أن الفيلم غني وفيه من الاداءات الجيدة الكثير والتي خدمت أحداث الفيلم بشكل لطيف، لكن التميز لم يكن حاضرا فيها خاصة من الثنائي الذي كنت متشوقا لمشاهدتهما معا؛ دي نيرو وكابريو، الاثنان قدما اداءات جيدة جدا وغالبا ستجعلهم حاضرين في دائرة الترشيحات التمثيلية في موسم الجوائز، لكن الفوز؟، أمرٌ مستبعد وأن حصل سوف يكون غريب على الأقل بالنسبة لي. لكن عندما تنظر الى الفيلم الاداءات النسائية تجد فيه أداء رائع أعجبني كثيرا وربما سوف يصبح ضمن قائمتي الشخصية البسيطة لأفضل الاداءات النسائية في افلام سكورسيزي؛ "ليلي كلادستون" أبنة قبيلة الاوساج التي وقعت في حب ارنست "كابريو" وتزوجته لتبدأ حالتها في التدهور شيئا فشيئا بسبب اصابتها بمرض السكري. نجد على وجهها تعبيرات بسيطة هادئة بسبب المرض ولكنها مليئة بالتعبير، التعبير عن الحزن والفرح، الحب والخيبة، الانكسار والخذلان، عيناها كانتا هما من يقودان الحوار وبريق فص عينها الأبيض كان أشد حدة من لسانها المثقل بالمرض، لم تنل الكثير من حصة الحوارات ولكنها بلا شك أخذت الوقت الذي ظهرت به على الشاشة وقدمته بأفضل صورة.

واخيرا المستوى الإخراجي الذي كان خلفه عراب السينما الامريكية سكورسيزي وكما قلت مسبقا؛ هنا هو جيد ولكنه ليس بالشكل الذي يجعله حاضرا في اذهان مشاهدي فيلمه هذا بعد مدة من مشاهدته، رائع ولكن كان يمكن أن يكون اكثر روعة.

نعم، رائع وكان يمكن أن يكون أكثر روعة، كان سيضاف الى قائمة افلام سكورسيزي الخالدة التي يكون حصتها من إعادة المشاهدة عند عشاق السينما الكثير، ولكن سكورسيزي أكتفى بالقليل منه في الوقت الذي كنا فيه تواقين ومتحمسين للكثير، وقدم لنا فيلما يعد من أهم وأفضل افلام هذا العام وربما سيكون أفضلها في نظر الكثير من متتبعي السينما عالميا، فيلم جميل وفيه قصة لشعب سلبت أرضه واغتصبت حقوقه عنوة وحينما ابتسمت له الحياة واستنشق من بذخها القليل عاد المغتصب ليسرق منه آخر انفاسه، فما بالك بالذي مرت عليه اكثر من سبعة عقود وهو مخنوق وجائع وعطشان ومسلوبة حريته؟!.

Block or Report